(فصل) في تعلق الإرادة بالكائنات
  ويحكى أيضاً عن معتزلة بغداد وعن الصيمري.
  واحتجوا بآيات منها قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ٤٩}[القمر]، فلو كان الخلق هو التقدير لكان قوله: {بقدر} تكراراً لا فائدة فيه.
  ومنها: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ٢}[الفرقان]، فلو كان خلق بمعنى قدره لكان مكرراً.
  ومنها قوله تعالى: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}[الحشر: ٢٤]، فلو كان قوله: الخالق هو المقدر لكان لا معنى لقوله المصور؛ لأن معنى المصور هو المقدر.
  قال: والمختار أن لفظ الخلق اسم مشترك يطلق تارة على الإيجاد وتارة على التقدير بدليل ما تلوناه من هذه الآيات فإنها كلها دالة على استعماله في المعنيين جميعاً، وقول من يقول إن إطلاقه في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجاز تحكم من غير دلالة، بل يجب أن يكون مقولاً على المعنيين جميعاً بالحقيقة على جهة الاشتراك.
  فإذا عرفت هذا فاعلم أن حقيقة كلام الله المنزل من السماء على ألسنة الملائكة على اختلاف أنواعه كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغيرها من الكتب السماوية كلها مركبة من هذه الحروف والأصوات كما قررنا من قبل وهي كلها موصوفة بكونها مخلوقة على كلا المعنيين إما على أنها مقدرة على وفق المصالح جارية على قانون الحكمة.
  وإما على أن الله تعالى أوجدها وجعلها سبباً في معرفة المصالح الدينية والدنيوية.
  وأما على قول هؤلاء الأشعرية فلما زعموا أن كلام الله ليس مركباً من هذه الحروف والأصوات وإنما كلامه صفة قائمة بذاته كالقادرية والعالمية وهذه الحروف والأصوات دلالة عليه لم يصفوه بكونه مخلوقاً لاعتقادهم قدمه كسائر صفاته القديمة وقد مر الكلام عليهم في فساد هذا القول.
  وقد منع بعض المعتزلة من وصف كلام الله تعالى بأنه مخلوق وزعم أنه يوهم أنه كذب مع تسليمه لكونه محدثاً وبأنه مسبوق بالعدم.