فصل: [معاني بعض الآيات المتشابهة]
  الاعتبارات الصحيحة، ونظر النفس من حيث التظنن والتوهم، وتتبع مواضع الشبهة والخرص بلا دليل، وتتبع المتشابه ونحو ذلك مما يعتمده أهل الإلحاد، كما قال تعالى: {بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}[الروم ٢٩]، وكتلبيس أهل الزندقة على المتعلمين.
  وخامسها: اختلافهما في مادتهما(١)؛ وذلك لأن العقل يستمد من توفيق الله تعالى وتسديده؛ ولذلك قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}[محمد ١٧]، ويستمد من محكم الكتاب والسنة وعلوم أئمة الهدى. والنفسُ تستمد من وساوس الشيطان، ومن الشبه والمتشابه [ومن علوم علماء السوء](٢)؛ ولذلك قال تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}[الأنعام ١١٢].
  وسادسها: اختلاف أحوال أتباعهما؛ [وذلك](٣) لأن المتبع لعقله يقف عند حد قدره لئلا يجهل فَضْلَ مَن فضَّلَه الله عليه، ويقف عند حد عقله لئلا يغلو في دينه غير الحق. والمتبع لهوى نفسه يخوض فيما وراء حد عقله، ويتكبر على مَن هو أفضل منه ويحسده؛ ولذلك قال تعالى: {أَفَكُلمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}[البقرة ٨٧]، وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[القصص ٥٠].
  قال: واعلم أن هذه الفروق وما أشبهها هي التي يُعلَمُ بها ضلالُ كل معطل ورافض، وكَذبُ كل مُدَّع أن عقلَه دَلَّه على صحة مخالفته للحق وأهله، ويعلم به الفرقُ بين ما يُعلَمُ ولا يُتَوهم نحو الباري سبحانه وتعالى، وما يُتَوهم ولا يُعْلَم
(١) أي: استمدادهما. (منه).
(٢) ما بين المعقوفين من مجموع السيد حميدان.
(٣) ما بين المعقوفين من مجموع السيد حميدان.