الإمام المهدي أحمد بن الحسين (ع) (612 - 656 هـ) والإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبدالله بن القاسم بن أحمد بن أبي البركات إسماعيل بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم بن إبراهيم عليهم السلام. كان كثير الشَّبَهِ بجدِّه صلى الله عليه وآله وسلم خَلْقَاً وخُلُقاً. دعا إلى الله سنة ست وأربعين وستمائة، ونكث بيعته البغاة الأشقياء، ودوّخ الأقطار، وأظهر أعلام جده المختار صلى الله عليه وآله وسلم، ودخل الحرمان الشريفان تحت أحكامه الإمامية، وأطاعه كافة بني الحسن والحسين بالحجاز والمدينة، وبلَغَتْ دعوتُه جيلان وديلمان، ونواحي العراق، ولم يبق في اليمن عالم من علماء أهل البيت وشيعتهم إلا دخل في ولايته، وامتثل لإمامته، منهم: الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى، وعالم العترة المطهرة علي بن الحسين صاحب اللمع، والإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين، وأخوه الأمير الحسين عليهم السلام. وحكى السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي أن الإمام وصل مأرب ولديه من الخلق ما لا ينضبط، ومن الفرسان زهاء ألف فارس وأربعمائة. بعض ما قيل فيه وشيء من كراماته: قال في مآثر الأبرار: إنه حجّ الفقيه سعيد فسمع رجلاً في الحرم يتلو القرآن، فقال لصاحب اليمن: إنه يقوم في هذه السنة عندكم إمام من أرض همدان، فإن تكنى في أول كتابه بالمهدي فهو المهدي الذي وعد الله الناس به، انتهى باختصار. وحكي أنه وجد في كتاب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المهدي: يواطي اسمه اسمي واسم أبيه اسم ابني هذا، وأشار إلى الحسين. وفي شمس الأخبار أنه: أقنى الأنف، أجلى الجبهة، يملك سبع سنين أو تسعاً، وهذه من صفاته عليه السلام، وهذا يدل على أنه مُبَشَّرٌ به، وليس بالمهدي الموعود به كما لا يخفى. ومن كراماته: أنه مَسَحَ على رَجُل من صعدة اسمه التنّين له قدر خمسين سنة يمشي على يديه ورجليه فعاد سوياً، قال في ذلك أحمد بن المنصور بالله أبياتاً منها: أَضَاءَ على الإسلام نُوْرُك وانْطَفَى ... بوجهك لَيْلُ الهمّ وانْصَدَعَ الفجْرُ وقد علمت آل النبي محمد ... بأنَّكَ أنتَ الفلك إمّا طغى البَحْرُ ومنها: ولا عجبٌ أن زادكَ اللهُ حجّة ... سماوية ما بعدها للورى عذر رآك لها أهلاً فزدت تواضعاً ... فزادك تكبيراً به من له الكبر وقال الشاعر البليغ قاسم بن علي بن هتيمل التهامي في القصيدة الرائعة: إذا جِئْتَ الغضا ولكَ السَّلامَهْ ... فطَارِحْ بالتحيَّةِ ريمَ رَامَهْ إلى قوله: إلى المهدي أحمد أَرْقَلَتْ بي ... براقُ العدْوِ تحبسها نعامَهْ إلى مَنْ لو وَزَنْتَ الخلْقَ طُراً ... بِظُفْرٍ منه ما وَزَنُوا قُلامَهْ شَبِيْهُ سميّه خُلُقاً وخَلْقاً ... وهدياً في الطَّريقة واسْتقامهْ تَواضَعَ عن لباس التَّاجِ زُهْداً ... فصارَ التَّاجُ من خَدَمِ العِمَامَهْ ومنها: أَبَعْدَ قَضِيَّةِ التنّين يَعْصِي ... من الثَّقَلَيْنِ مأمومٌ إمامَهْ إلى قوله: وما عُرفَ المسيحُ بغيرِ هذا ... أمعجزةُ النبوّة في الإمامَهْ وقد نسج على منوالها السيد الإمام الهادي بن إبراهيم الوزير في قصيدةٍ يستعطف بها علي بن صلاح على الإمام المهدي صدرها: دعا ذكر الوسامة والبشامهْ ... وأندية الندامى والمدامهْ حتى قال: وهاكَ قصيدةً غرّاء تحكي ... إذا جئتَ الغضا ولكَ السلامهْ ودعا على صخرة كان بها نفع عظيم لبعض البغاة، فسُمِعَ لها هدّة كالزَّلْزَلة فصارت كالرماد، قال بعض العلماء: أومى إلى هَضْب الكَميم بِطَرْفِهِ ... فتبدّدت أحجاره تبديداً قلت: وهذه الآيات التي يظهرها الله للأئمة من تمام معجزات جدهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم داعون إلى دينه، وباذلون أنفسهم في تبيينه، ولا يجحدها إلا محروم مخذول. قال في البسامة: وزلزلت عضد المهدي أحمدِنا ... بأحمد ورمته منه بالكبرِ فخضبت شيبة لابن الحسين دما ... وعفّرت وجهه الوضَّاح بالعفرِ وكلّفت حسناً تحسين أقبح ما ... جرت به من صروف الدهر والعبرِ وسامت الشيخَ من حوث مهاجَرُه ... بعد الولاء على صاع من الفطرِ ضحّوا بأشمطَ يُسْتَسْقَى الغمام به ... قد بايعوه فكانوا أخسر البشرِ مالوا إلى أحمدَ عن أحمدٍ فبغوا ... على الإمام وقالوا جارَ في السير قال السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي في اللآلي المضيئة: قال مصنّف السيرة المهدية رحمه الله، وهو السيد الفاضل العالم شرف الدين يحيى بن القاسم بن يحيى بن حمزة بن أبي هاشم صلوات الله عليهم: وهذه الأبيات كما ترى من العجائب، قد تضمّنت جملاً مما كان في دولته عليه السلام؛ لأن أمره انتشر إلى الحرمين. إلى قوله: وولّى هنالك الولاةَ ونصب القضاة، وكذلك فإن الظالمين من أهل المشرق والمغرب والحصون نالوا منه. إلى قوله: ومن كراماته عليه السلام ما رواه الفقيه العالم الورع علي بن سلامة الصريمي، قال: كان مولانا الإمام المهدي واقفاً للناس بثلا بعد صلاة الجمعة، إذ أقبل رجلان أحدهما أعمى، والآخر يقوده، فطَلَبا الاتصال بالإمام، فلم يمكنهما لكثرة الزحام. قال الفقيه: فأدخلتُ ذلك الأعمى إلى الإمام، وقلت: يا مولانا امْسَحْ على هذا الأعمى، فرفع رأسه وقد تغيّر وجهه وبانَ فيه الغضب، فندمتُ نَدَمَاً عظيماً ثم مسح الإمام على وجه الأعمى ورأسه وقرأ عليه ودعا له فخرج الأعمى من بين يديه، وقد شفاه الله وعافاه وأبصر الأشياء صغيرَها وكبيرَها، فكبّر الناس لذلك وهلّلوا، واجتمعوا عليه اجتماعاً عظيماً. ومن كراماته عليه السلام: قصة التنيّن، والهضب، وقصة الحشيشي، وعين الماء في مأرب، وغير ذلك كثير، وقد ذكرنا بعضها في أثناء سيرته عليه السلام. وكتب الإمام عليه السلام الدعوة إلى الأمراء والسادة آل يحيى بن يحيى برغافة وقطابر، فمنهم من قطع على صحّة الإمامة بما كان قد تقدّم إليه وصحّ عنده من صفات الإمام وبلوغه درجة الاجتهاد كالأمير السيد الكبير شيخ العترة، وإمام الشريعة، حافظ علوم أهل البيت جمال الدين علي بن الحسين بن يحيى بن يحيى عليهم السلام. والأميران السيدان أجابا وتكلّما بالكلام الجميل، وطلبا المباحثة، ثم انخرطا بعد ذلك في سلك الإمامة ووجوب الطاعة، وتكلّما في المشاهد والمحافل بالخطب البليغة، والقصائد الفصيحة في وجوب طاعته عليه السلام، وأكثرا من نعوته عليه السلام والثناء عليه. وللإمام الحسن المنصور عليه السلام القصيدة المشهورة في مدح الإمام. قلت: وقد ذكرتها في [عيون] المختار، منها: هذا إمام الزمان أحمد بالـ ... ـحق وأمر الإله قد صدعا إن قال فالدرّ لفْظُ مَنْطِقِهِ ... أَوْ صال فالليث حيث ما وقعا الصادق السابق المقاتل في الـ ... ـمجد كما قيل في الذي سمعا الألمعي الذي يظن بك الشي ... ء كأن قد رأى وقد سمعا طاب شمالاً وعنصراً وزكا ... فرعاً وأصلاً فعد ممتنعا الواهب الجود في أعنّتها ... والضارب الهام والطلا جمعا ومنها: حيث ترى البيض وهي ساجدة ... والنقع بين الصفوف قد صدعا حيث ترى الطير وهي راتعة ... دماً عبيطاً والنقع مرتفعا يا سيّد العالمين كلّهم ... وخير من قام سابقاً ودعا أَحْيَيْتَ مَيْتاً من الهدى حِقَباً ... لولاك لم ينتعش ولا ارتفعا فأمعن الكفر بعده هرباً ... والفسق لا يُلْقَيَان مجتمعا وكنتَ كالنيّرين ما طلعا ... إلا وطار الظلام وانقشعا بل كنتَ كالليث حَوْلَ أَشْبُلِه ... والسيف مهما هززته قطعا بل كنتَ كالموت للعصاة إذا ... حلّ على معشر فلن يدعا لا أكذِبُ الله أنني رجل ... وجدت خصل الكمال فيك معا العلم والفضل والشجاعة والـ ... رأي وفيض السماح والورعا قال في مطلع البدور: لله درّه ما أعذب ناشيته، وأرق حاشيته، وهي كما ترى فايقة رائقة، وذكر أنها نيف وخمسون بيتاً. قال الشرفي في وصفه عليه السلام: وكرمه وكراماته وفضائله وفواضله مما لا يحيط به الوصف، ولا تسعه المجلدات. انتهى. ووضع الله فيه السماح الهائل، والجود الذي لا يساجله مساجل، فكان يُعْطِي المئين والألوف، ويخوضُ غَمَرَات الحتوف، ولم يكن يعرف عدد الدراهم في العطايا، ولقد وهب ألف فرس وستمائة فرس وسبعين فرساً، وأعطى لرجل ثماني عشرة فرساً، ووهب لبعض الشعراء ثلاثة آلاف درهم، وثلاثة من الخيل، ومائتي فردة ثياباً، قال الشاعر: حَسَنِيّ بوَجْهِهِ حَسُنَ الدّهر ... ولولاه ما أقيم العثار قاسميّ بكفّه يُقْسَمُ الرّزق ... ومنه تستوهب الأعمار ومنها: يا قضيباً من فضّة يُقْطفُ النر ... جس من وجنتيه والجلنار قلت: وقد زدتها بقولي: أَشْرَقَتْ من سناه شمسُ ضياء ... وتجلّى للعالمين نهار ولم يكن له من الولد إلا محمد الناصر، وقد أعقب ثم انقطع. التحف شرح الزلف (ص: 247)