الخطبة الثانية
  يظهرَ أمامَ الناسِ وأن يترفعَ في كلِّ مجلسٍ، ولا ينظرُ إلى عاقبةِ أمرِه عند اللهِ يومَ يُحشرُ في الأذلين في وادي ويل مع الكاذبين، روي عن أمير المؤمنين أنه قال: (كفى بالمرءِ كذباً أن يحدث بكلِّ ما سَمِعَ).
  عبادَ الله: إن ومما يروى في فضل الصدق وحسن عواقبه ما روي أن رجلاً من السلف قال بنيت نفسي على الصدق وذلك أني خرجت من مكةَ إلى بغدادَ أطلبُ العلمَ، فأعطتني أمي أربعين ديناراً، وعاهدتني على الصدقِ، فلما وصلنا أرضَ همدانَ خرجَ علينا عربٌ (من قطاعِ الطريقِ) فأخذوا القافلةَ، فمر واحدٌ منهم وقال ما معك؟
  قلت: أربعون ديناراً؛ فظن أني أهزأُ به فتركني، فرآني رجلٌ آخر فقال ما معك؟ فأخبرتُه فأخذني إلى كبيرِهم فسألني فأخبرتُه، فقال ما حملك على الصدقِ؟ قلت عاهدتُ أمي على الصدقِ فأخافُ أن أخونَ عهدَها، فصاح زعيمُ قطاعِ الطريقِ ومزقَ ثيابَه، وقال أنت تخافُ أن تخون عهدَ أمِّك وأنا لا أخافُ أن أخونَ عهدَ اللهِ، ثم أمر بردِّ ما أخذوه من القافلةِ، وقال أنا تائبٌ للهِ على يديك، فقال الذين معه أنت كبيرُنا في قطعِ الطريق، وأنت اليوم كبيرُنا في التوبةِ فتابوا جميعاً ببركةِ الصدقِ.
  عبادَ الله: اللسان نعمةٌ من النعمِ التي يجب أن نحفظَها لما ورد عن الرسول ÷ أنه قال: «من يضمن لي ما بين فكيه، وما بين فخذية أضمنْ له الجنة».
  فهل نستطيعُ أن نتحكمَ في جوارحِنا وأن نصونَ ألسنتَنا لنحصلَ على ضمانِ رسولِ الله الذي وعدَ به وهو الجنة.
  أيها الناسُ: اعلموا أنه ليس من الضروري أن يتكلمَ الإنسانُ في كلِّ شيء وبخاصة في الذي لا علم له به، ففيما يروى بأن أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً فيما لا يعنيه (فمن كان يؤمن باللهِ واليومِ الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وعنه ÷ أنه قال: «رحمَ الله عبداً تكلم فغنم، أو سكت فسلم، إن اللسان