[التوبة]
  فَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ ٩ وَالَّذينَ جاءوا مِن بَعدِهِم يَقولونَ رَبَّنَا اغفِر لَنا وَلِإِخوانِنَا الَّذينَ سَبَقونا بِالإيمانِ وَلا تَجعَل في قُلوبِنا غِلًّا لِلَّذينَ آمَنوا رَبَّنا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحيمٌ ١٠}[الحشر: ٩ - ١٠].
  ولقد ذكر في الخبر، وصح فيما جاء من الأثر أن الأنصار كانوا بلغوا من مواساة إخوانهم المهاجرين في أموالهم، وما لهم من المساكن والديار، أن كانوا يسكنونهم أفضل مساكنهم، فكان يكون للرجل من الأنصار في داره المنزلان والمسكنان، فيُنزل المهاجر في خير المنزلين من داره، وكانوا إذا جاءت ثمر ضياعهم وحوائطهم قسم الرجل من الأنصار حائطه الذي فيه ثمر نخله قسمين، وأطعم أخاه في الدين من المهاجرين خير النصفين، وأجودهما وأطيبهما تمرا، فأثنى الله بذلك في كتابه عليهم، وذكر فعلهم في هذا ورضاه ومحبته لذلك منهم، فقال: {وَيُؤثِرونَ عَلى أَنفُسِهِم وَلَو كانَ بِهِم خَصاصَةٌ}. يخبر سبحانه أنه قد كان يفعل ما يحب الله من أثرتهم لإخوانهم في الدين من المهاجرين من به خصاصة، والخصاصة: الفقر والحاجة من الأنصار الكرام المتكرمين.
  فكونوا - أرشدكم الله - بهذا الخلق مستوصين، وبهذا أمر الله المؤمنين في كتابه الناطق المبين، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧}[البقرة: ٢٦٧]. يقول تعالى: {أَنفِقوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبتُم} يعني: من خير أموالكم وأزكاها وأحلِّها، ولا تنفقوا مما تبغضون من حرامها وخبيثها، ولو