تفتيح القلوب والأبصار إلى اقتطاف أثمار الأزهار،

محمد بن يحيى بهران (المتوفى: 957 هـ)

[شرح مقدمة الأثمار]

صفحة 167 - الجزء 1

  أقوال مختلفة في حكم واحد على صورة يكون فيها [خرق للإجماع]⁣(⁣١)، كأن يتزوج من دون ولي؛ عملاً بقول أبي حنيفة، ومن دون شهود عملاً بقول مالك، حيث يصحح ذلك؛ إذ يكون بذلك خارقًا للإجماع؛ لأنه لا يقول به أحد من العلماء، فالعلة في عدم جواز العمل بالقولين المختلفين فصاعدًا على الصفة المذكورة هي كون ذلك خرقًا للإجماع لا لمجرد كونه خارجًا عن تقليد كل واحد من الإمامين، كما توهمه ظاهر عبارة الأزهار، ولذلك عدل عنها المؤلف أيده الله تعالى ونفع بحقائقه⁣(⁣٢).

  قال المؤلف أيده الله تعالى: (وبعد الالتزام يحرم الانتقال إلاَّ إلى ترجيح نفسه) أي بعد حصول الالتزام لقوم إمام معين في حكم واحد أو في حكمين فصاعدا، أو في جملة المذهب يحرم على الملتزم الانتقال إلى قول غيره؛ لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالحجج المتعارضة عند المجتهد، فيكون مخيرا في العمل بأي أقوالهم. فإذا التزم قول واحدٍ منهم صار كالمجتهد بعد الاجتهاد، حيث⁣(⁣٣) يحرم عليه الانتقال إلى غير ما أداه إليه اجتهاده [من دون مرجح]⁣(⁣٤)؛ لما يؤدي إليه ذلك من اتباع الهوى، والتهور في الشهوات، وذلك انسلاخ عن الدين، كما روي عن المنصور وغيره. وقد حكي جواز ذلك عن الرازي والإمام علي⁣(⁣٥) وغيرهما، وقالوا: إنه انتقال من حق إلى حق، وحمل كلامهم على مالم يكن لمجرد اتباع الهوى وموافقة الشهوة⁣(⁣٦). والله أعلم.

  وقوله: «إلاَّ إلى ترجيح نفسه» معناه: إلا أن يحصل له ترجيح لما انتقل إليه بدليل، فإنه يجب عليه الانتقال حينئذٍ إلى ذلك الراجح بعد أن يستوفي جميع طرق ذلك الحكم وما يتعلق به من علوم الاجتهاد والنظر فيها؛ إذ يصير بذلك مجتهدًا في ذلك الحكم، فيحرم عليه البقاء على ما


(١) في (ب، ج): خرق الإجماع.

(٢) ينظر: شرح الأزهار ١/ ٢٩، والأنوار لابن حابس ص ٣٤٧، والفصول اللؤلؤية ص ٣٢٣، والكاشف لذوي العقول ص ٤٣٦.

(٣) في (ب) سقطت كلمة: «حيث».

(٤) في (ب، ج) زيادة: وكذا يحرم على الملتزم الانتقال إلى غير ما قد التزمه من دون مرجح.

(٥) في (ش): والإمام علي بن محمد. وهو الإمام المهدي علي بن محمد بن علي بن منصور الهادوي الحسني، من كبار أئمة الزيدية، ولد سنة ٧٠٧ هـ، بلغ درجة الاجتهاد في العلوم كلها، عابد، زاهد، شجاع، قام سنة ٧٥٠ هـ بعد أن طلب العلماء منه القيام وألحوا عليه، وجاهد القرامطة في مناطقهم، توفي سنة ٧٧٤ هـ، وله رسائل وأجوبة، وأيضًا النمرقة الوسطي. ينظر: اللآلئ المضيئة في أخبار أئمة الزيدية ص ٤٢٩، والتحف شرح الزلف ص ٢٧٤، طبقات الزيدية ٢/ ٧٨٠، وأعلام المؤلفين الزيدية ص ٧١٦، والبدر الطالع ١/ ٤٨٥.

(٦) ينظر: صفوة الاختيار ص ٣٦٢، وشرح الأزهار ١/ ١٧، ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، لعبد الوهاب السبكي - عالم الكتب - بيروت - ط (١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م) ٤/ ١٣٦، وشرح العضد ٢/ ٣٠١.