نسب لبيد وأخباره
  كتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإشحاص الشعبيّ إليه، فأشخصه فألزمه ولده، وأمر بتخريجهم ومذاكرتهم، قال: فدعاني يوما في علَّته التي مات فيها فغصّ بلقمة وأنا بين يديه، فتساند طويلا ثم قال: أصبحت كما قال الشاعر:
  كأنّي وقد جاوزت سبعين حجّة ... خلعت بها عنّي عذار لجام
  إذا ما رآني الناس قالوا ألم يكن ... شديد محال البطش غير كهام
  رمتني بنات الدّهر من حيث لا أرى ... وكيف بمن يرمى وليس برام
  ولو أنّني أرمى بسهم رأيته ... ولكنّني أرمي بغير سهام
  فقال الشعبيّ: فقلت: إنّا للَّه، استسلم الرّجل واللَّه للموت! فقلت: أصلحك اللَّه، ولكن مثلك ما قال لبيد:
  /
  باتت تشكَّى إليّ الموت مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
  فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا ... وفي الثّلاث وفاء للثمانينا
  فعاش إلى أن بلغ تسعين سنة فقال(١):
  كأنّي وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبيّ ردائيا(٢)
  فعاش إلى أن بلغ مائة وعشر سنين. فقال:
  أليس في مائة قد عاشها رجل ... وفي تكامل عشر بعدها عمر
  فعاش إلى أن بلغ مائة وعشرين سنة فقال:
  ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد
  غلب الرجال وكان غير مغلَّب ... دهر جديد دائم ممدود
  يوم أرى يأتي عليه وليلة ... وكلاهما بعد المضاء يعود
  فرح عبد الملك بسماع شعر لبيد، ووفاته عقب ذلك
  ففرح واستبشر وقال: ما أرى بأسا، وقد وجدت خفّا(٣). وأمر لي بأربعة آلاف درهم، فقبضتها وخرجت، فما بلغت الباب حتّى سمعت الواعية(٤) عليه.
  وغنّى في هذه الأبيات التي أوّلها:
  غلب الرجال وكان غير مغلَّب
  عمر الواديّ خفيف رمل مطلق بالوسطى عن عمرو.
(١) التكملة من مب، ها، ف.
(٢) ما عدا مب، ها، ف: «سبعين حجة».
(٣) الخف، بالفتح: الخفة. ب، س: «خفة».
(٤) الواعية: الصراخ على الميت. ما عدا ح، مب: «الناعية».