كتاب الأغاني،

أبو الفرج الأصبهاني (المتوفى: 356 هـ)

أخبار هدبة بن خشرم ونسبه

صفحة 177 - الجزء 21

  قال ابن قتيبة في حديثه:

  فسأل سعيد بن العاص أخا زيادة أن يقبل الدّية عنه، قال: أعطيك ما لم يعطه أحد من العرب أعطيك مائة ناقة حمراء ليس فيها جدّاء⁣(⁣١) ولا ذات داء، فقال له: واللَّه لو نقبت لي قبّتك هذه، ثم ملأتها لي ذهبا، ما رضيت بها من دم هذا الأجدع، فلم يزل سعيد يسأله، ويعرض عليه فيأبى، ثم قال له: واللَّه لو أردت قبول الدية لمنعني قوله:

  لنجدعنّ بأيدينا أنوفكم ... ويذهب القتل فيما بيننا هدرا

  فدفعه حينئذ ليقتله بأخيه.

  يعرض بحبّى وهو في طريقه إلى الموت

  : قال حمّاد: وقرأت على أبي عن مصعب بن عبد اللَّه الزبيريّ قال:

  ومرّ هدبة بحبّى، فقالت له: كنت أعدّك في الفتيان، وقد زهدت فيك اليوم، لأني لا أنكر أن يصبر الرّجال على الموت، لكن كيف تصبر عن هذه⁣(⁣٢)؟ فقال: أما واللَّه إنّ حبّي لها لشديد، وإن شئت لأصفنّ لك ذلك، ووقف الناس معه، فقال:

  وجدت بها ما لم تجد أمّ واحد ... ولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب⁣(⁣٣)

  رأته طويل السّاعدين شمر دلا ... كما تشتهي من قوة وشباب⁣(⁣٤)

  فانقمعت⁣(⁣٥) داخلة إلى بيتها فأغلقت الباب دونه. قالوا: فدفع إلى أخي زيادة ليقتله، قال: فاستأذن في أن يصلَّي ركعتين، فأذن له، فصلاهما وخفّف، ثم التفت إلى من حضر فقال: لولا أن يظنّ بي الجزع لأطلتهما، فقد كنت محتاجا إلى إطالتهما، ثم قال / لأهله: إنه بلغني أنّ القتيل يعقل ساعة بعد سقوط رأسه، فإن عقلت فإني قابض رجلي وباسطها ثلاثا، ففعل ذلك حين قتل، وقال قبل أن يقتل:

  إن تقتلوني في الحديد فإني ... قتلت أخاكم مطلقا لم يقيّد⁣(⁣٦)

  فقال عبد الرحمن أخو زيادة: واللَّه لا قتلته إلا مطلقا من وثاقه، فأطلق له، فقام إليه وهز السيف ثم قال:

  قد علمت نفسي وأنت تعلمه ... لأقتلنّ اليوم من لا أرحمه

  ثم قتله.

  فقال حمّاد في روايته:

  ويقال: إن الذي تولَّى قتله ابنه المسور، دفع إليه عمّه السيف وقال له: قم فاقتل قاتل أبيك، فقام، فضربه ضربتين قتله فيهما.


(١) الجداء: القليلة اللبن من مرض أصابها.

(٢) هذه: إشارة إلى زوجته.

(٣) يعرض بحبي وبحبها لرجل افتتنت به.

(٤) الشمردل: الجميل الخلق، وفي ف، هج:

«كما اشترطت»

بدل

«كما تشتهي»

(٥) فانقمعت: ولت هاربة.

(٦) البيت من الطويل دخله الخرم.