التهذيب في التفسير (تفسير الحاكم)،

المحسن بن محمد الحاكم الجشمي (المتوفى: 494 هـ)

قوله تعالى: {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين 21 وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل 22 قال فرعون وما رب العالمين 23 قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين 24 قال لمن حوله ألا تستمعون 25 قال ربكم ورب آبائكم الأولين 26 قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون 27 قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون 28 قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين 29 قال أولو جئتك بشيء مبين 30}

صفحة 5350 - الجزء 7

  معناه إن كنتم تعقلون معنى كلامي وما أستدل به، فلما انقطعوا عدل إلى الوعيد والنكير ف «قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ» أي: من المحبوسين، قال الكلبي: وكان سجنه أشد من القتل، كان يطرحه في مكان وحده لا يسمع ولا يبصر، فأجاب موسى «أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ» أي: بمعجزة تبين صدق قولي، وقيل: تبين الحق من الباطل، وقيل: قال أتخوفني بالسجن ومعي المعجزات الظاهرة الباهرة تدل على أني رسول؟ وأراد أنه لا يتمكن من ذلك مع كونه رسولاً، وقيل: معناه أتفعل ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي: لا تفعله؟

  · الأحكام: تدل الآيات على أن فراره كان قبل النبوة، وأن نبوته كانت بعد خروجه من مصر، وأن الوكزة لم تكن في حال النبوة.

  ويدل قوله: {فَوَهَبَ لِي رَبِّي} أي علماً على أن العلوم من جهته تعالى؛ لأنه إما أن يكون ضروريًّا، فهو خالقه لا يقدر عليه أحد، أو كان مكتسباً فإنما يحصل إذا نصب الأدلة، وأعطى العقل، ونبه على الاستدلال، وإن كان شرعاً فبوحيه يحصل، فإذاً جميع العلوم منه.

  وتدل الآيات أنه تعالى يُعْرَفُ بأفعاله لذلك اقتصر في الجواب عليه ولم يعدل عنه.

  وتدل على نفي التشبيه؛ إذ لو كان جسماً لشبهه شيء [و] لكان يشير إليه.

  وتدل على أن فرعون كان يدعو قومه إلى أن يتخذوه إلهاً يعبدونه، وقيل: كان يأمرهم بعبادته وبعبادة الأصنام بنصبها، ويقول: أنا ربكم الأعلى.

  وتدل على أن من أطاع غيره واتبعه ودِينَهُ من غير إذن اللَّه أنه يكون بمنزلة مَنْ اتخذه إلهاً؛ إذ المعلوم أنهم علموا أن فرعون ليس بخالق الخلق، وإنما اتخذوه إلهًا على هذا الوجه، فكانوا يحلون ما أحل، ويحرمون ما حرم، ويتبعونه فيما أمرهم،